وسائل الترفيه والتسلية

وسائل الترفيه والتسلية




وسائل الترفيه والتسلية

 

حكايات ونوادر

محمد مصطفى يوسف

الترفيه هو أي نشاط يقوم بتوفير تسلية في أوقات الفراغ، والترفيه يطال كافة الأعمار، توفر الألعاب القسط الأوفر من عملية الترفيه، بالإضافة إلى الإسترخاء والإستجمام، وهناك العديد من أشكال الترفيه التي تطال الكبار والصغار، وأهمها الرياضية وممارسة الهوايات بأنواعها، وتسمى الصناعة التي تعمل على توفير الترفيه وترضي الأذواق كلها، ومن أشكالها الصيد والرسوم المتحركة والسينما والمسرح والكوميديا والرسوم الكاريكاتورية والرقص والموسيقى والألعاب الفردية والجماعية ومنها الجسدي والعقلي. الترفيه ليس مضيعة للوقت وإنما هو جزء هام للبناء التربوي والصحة الإجتماعية للإنسان، وهي الفترة التي يتم قضاؤها في الأنشطة بقصد أو بنية تجديد النشاط ولكسر وتغيير رتابة العمل الروتيني الذي نقوم به، وهو تغير ايجابي في أنماط الحياة تكسب الفرد المتعة لأنها مصدر تبعث السعادة وتساعد على استرخاء الجسد والعقل سوياً. الترفيه علاج نفسي للتخلص من الضغوطات الحياتية اليومية ولإعادة شحن القدرات، وهو ترويح عن النفس ووسيلة للتسلية والمرح، والترفيه يعطي الإنسان الحق في التمتع بطبيعته الإنسانية مع محيطه.

لكل زمن وسائله الترفيهية وتسليته، ولأجدادنا وآبائنا لون خاص ومميز وبعيد عن التكلف، وسائلهم الترفيهية طبيعية، وهي ألعاب شعبية توفر أهمية كبيرة وتساعد في نمو الجسد واتزانه، وتحفز النشاط الذهني كما تمده بفرصة التعلم واكتساب الكثير من المهارات والمعارف وتنمية قدراته الإبداعية. في بلدات وقرى الضنية حكايات ونوادر كثيرة سأورد بعضاً مما رويّ لي أو عاصرته. فصل الشتاء في الضنية رتيب وممل، نهاره وليله طويل وطقسه بارد وأمطاره كثيره، غالباً ما ترى الكبار يتحلقون في جلسات جماعية وسط القرية وفي أزقتها ومن حولهم الصغار والشباب يتناقلون الأخبار، وأحياناً كثيرة يخترعون ما يكون سبباً في تسليتهم كأن يضع أحدهم وزناً «شيلة» ويتشاطرون برفعه أو يؤلبون فلان على علان، أومن هو أقوى، أو من هو أحسن صوتاً أو ...، وكثيراً ما ينتج عن هذه التحديات بعض المشاكل التي كانت تحلّ في حينها.

رويّ لي: أنه كان من عادة أهالي الضنية معايدة البيك أو الآغا بالقرب من مدخل دارته يتواجد أحدهم ويصرخ بأعلى صوته ويقول أين الرجال أين القبضايات؟ من يستطيع أن يرفع هذه الشيلة (الأيمّة – القَيّمَة)؟ فما كان من محمد حمد بو عمر من بلدة بخعون عند سماعه ذلك الخبر إلا أن صعد ليلاً إلى بلدة سير وجرب قوته بحمل الوزنة الموضوعة ثم نزل ونام، وفي اليوم التالي صعد إلى بلدة ضمن موكب بخعون لمعايدة البيك، وعند الوصول إلى دارة البيك تقدم الجميع وقال للمنادي لا تقبلها إلا طابشة (زيادة)، حيث رفع الشيلة وكان الجميع ذلك موضع حبور وسرور ممن في الموكب وله ممتن ومشكور.

لقد كانت البطالة قاتلة ولا عجب إن رأيت الرجال يلعبون الكلّة في الحارات والساحات، متحلقين مجموعات، تكثر في القرى الأخبار والحكايات التي

تتضمن التضخيم والتعجيز والتخويف، وتستعمل المفردات والمعاني المبهمة، والإعتقاد سائداً ببعض المعتقدات وطرق الإتقاء منها مثل: صيبة العين والكتيبة وأذاها إضافة إلى قصص الجن والأرواح وشبح المقابر والرصد، وحكايات الأفعى المسنة ذات القرون، والحيوان الكبير المجهول الذي يسمى غولاً، فالتعجيز سلوى مستحبة وهو نوع من التحدي والرهان على أمور تتطلب شجاعة روحية وقوة بدنية. لا يوجد في الضنية ما يسمى التكايا والزوايا والمزارات وهي أماكن تعبد وزهد باستثناء بعض الأخرجة التي تنسب لذاك النبي أو أحد الأولياء أو الصالحين.

ملتقى اليافعين والشباب كانت ساحات الضيعة أو البيوت المهجورة أو الشير، حيث لا ينهر فيهم مزارع أو يطردهم منه ناطور. كثيراً ما يتناهى لأسماعك خلال اللعب عبارات منها: الطشيّ – الدقّ – قطِّش – زرِّك – قطم – مات وغيرها. في مواعيد بواكير الثمار كان الأولاد يتجهون إلى الحقول لقطف تلاويح الجنارك والعنب والتين واللوز والجوز إلى البزلاء والفول و... إلى كل ما تطاله أيديهم من أكواز الصنوبر وضمات الفريك – القمح – قافزين بين الصخور، متسلقين الأشجار، تاركين عليها قطعاً من ملابسهم الممزقة وآثاراً من دماء أجسادهم المخدوشة، حتى إذا طل ناطور أو صاحب الأرض رافعاً غصن شجرة أو عصاة طويلة غليظة أو ربما أحجاراً متعددة منتهراً بأعلى صوته، ساباً وشاتماً، فهذا اختبأ وراء الجدار أو تحت الصخور وذاك تسلّق جداراً أو صخرة، أو زاحفاً على بطنه إلى أن يصبح بمأمن، أما من كُتِبَ له الوقوع في الأسر أو المكمن فسيلقى درساً قاسياً، وإذا أخبر (فَسَدَ) عن الآخرين فسيلاقون المصير نفسه من الأهل وزيادة في التوبيخ والتأنيب والتعنيف. أما التلهي بالحقول أيام تفريخ الطيور بحثاً عن أعشاشها أو وراء فراشة ملونة أو بعض الجيزان الذهبية ذات الأجنحة الملونة، فنربطها بخيوط أو نجمعها في علب الكبريت لتطير فيما بعد من جديد.

شتاءً وعند نزول الثلج حيث يتراشق الجميع به في الأزقة وعلى سطوح المنازل، وكم جلب ذلك أو كان سبباً في العديد من المشاحنات والمشادات والمشاكل والتي كانت تحل بإعتذار أو توضيح أو ناهيك عن لعبة قطيش قريعة أو الطميشة والغميضة، أو الطرة والنقشة والخمسة أحجار أو ألعاب الطابة المحشوة بالقماش.

سماع العديات كان يديهياً من الأولاد منها: «يا حج محمد يويو قديش مصمد يويو مصمد مصرية يويو ملوا التمنيّة يويو تمنيّة

مين يويو عمو ابراهيم يويو ابراهيم مامات يويو خلف بنات يويو بنات سود يويو زي العبيد يويو...».

وغالباً ما كنت تسمع أحد الأولاد يصرخ ويغني وأنت في ساعة القيلولة أغنية: دجاجة طوزة – حمار مربوط بحبل التوت، أو أغنية: خديجة مديحة كرجت عالدولاب شافا الواوي من بخواش الباب عضا وباسا وكتبلا الكتاب.

ساحة الضيعة مكان الإجتماع الدائم، سوق تجاري، مكان اجتماعات: مسرح للعب واللهو، فيها تقام الإحتفالات والمآتم وهي مرتع الأولاد: وغالباً ما كنت تسمع الأمهات تصيح بالصغار: «دوختونا يا ولاد حلو عنا شوي روحو عالساحة»!

في الضيعة أو القرية تقترن الأشياء وتتشابه مع مثيلاتها، حيث تجد الساحة والزقاق والدرب والمشاع والعلية أو المنزول والتنور والصاج والطابونة، الطاحونة والأتون والمشحرة والعين...

ألعاب القرية يصحبها كثير من الصياح والضجيج ومنها لعبة الركوب على الظهر أو القفز من فوقه أو لعبة مين ساقك يا حماري أو لعبة اللآقوط (الخمسة) أو لعبة مين نقفك، في الشتاء الأيام الممطرة والبرد القارس تجتمع العائلة حول الوجاق ويتخلل السهرات الحزازير وكل يدلي بدلوه، ومن أطرف ما سمعت في بلدة بخعون اثنين أخوة من بيت سلوم يعزفون معاً على المزمار، والمفارقة بأن الأول يعزف جيداً ولكن نفسه قصير، والآخر لا يعزف ولكن نفسه طويل، فكان الثاني يجلس بحضن الأول حيث تكتمل السهرة الموسيقية الطربية.

بين الحين والآخر كان يطل على القرى في الضنية صندوق الفرجة، يحمله شيخ ملتح معه دواليب الهواء الزاهية الألوان وينادي تعا تفرج تعا شوف، فيتراكض الصبية متحلقين حول الصندوق، والدفع إما بشلكاً أو متليكاً أو قرشاً مقدوحاً إذا توفرت العملة المعدنية وإلا فالدفع مقايضة، الفرجة مقابل بعض البيضات أو عد من الجوز أو أرغفة الخبز أو بعضاً من مشاكيك التين المجفف، والشيخ يردد: هذه الست بدور وهيدا الشاطر حسن والزير بو ليلى المهلهل.

وسائل التواصل كانت بدايتها وسائل المغتربين الأوائل من وإلى ذويهم،

ثم عرفت الضنية الفونوغراف فأطرب النفوس وأثلج الصدور بأغاني سيد درويش وصالح عبد الحي ولاحقاً أم كلثوم وعبد الوهاب، وكثير من الأطفال من خاف منه بداية وابتعد عنه والتي بداخلها من يغني ويعزف.

أما المذياع أو الراديو وحكاياته حيث كان بداية جهازاً له مستوعب كبير مصنوع من الخشب يوضع في صدر الدار أو الصالون، ويجتمع حوله الكبار والصغار، بظهوره عمت الأخبار وتمكن القاصي والداني من معرفتها (المحلية والعربية والعالمية(، الثقافية والسياسية والعلمية، تتبع الضناويون من خلاله أخبار فلسطين المحتلة وثورة الجزائر وخطابات عبد الناصر، لقد أصبح الراديو صلة الوصل بين الآمال والواقع، وبات الرفيق المطيع لاحقاً باختراع الترانزستور، زائراً للحقول والورش.

اقتناء التلفاز شكل نقلة بل قفزة نوعية يوصل الخارج بالداخل صوت وصورة، حيث بدأت المعالم القديمة تغيب وتندثر، وطوى الزمان الكثير من العادات والتقاليد والحكايات، وتبدلت طرق العيش والمقتنيات، إنها ثرة التكنولوجيا حيث عمت وشاعت الاختراعات وعمت الكماليات.

أما الهاتف فقد كان الأطوع، فعبره بثت الشجون وقصرت المسافات وأصبح ملازماً لبني البشر في حلهم وترحالهم وحتى عند خلوتهم وأكثر، خاصة بعد اختراع البث الخلوي والواي فاي، فأصبحنا حالياً بأزمة تواصل أنسانياً وتواصلنا خليوياً، ولم نعد نستطيع اللحاق بتكنولوجيا المعلومات، نستجيب فقط لإقتنائها واستخدامها بشكل يسيء إلى تربيتنا وعاداتنا وتقاليدنا وديننا.

أما الإعلام المكتوب فقد بقيت الضنية بعيدة عنه سوى محاولة بتيمة بإصدار عددين تجريبيين من مجلة الضنية، ثم قيض الله للضنية ابنها البار القنصل سعيد محمود طراد الذي أصدر مجلة «صدى الضنية» عددها الأول ك2 سنة 2015 حيث أرادها مجلة ضناوية كتابة وتمويلاً تحمل تطلعات أبناء الضنية وتجسد طموحاتهم علّها تردم زاوية من زوايا الإهمال والحرمان المتزامن.

:  star ratingstar ratingstar ratingstar ratingstar rating  [  ]
:


القسم متفرقات | عدد الزيارات: [58] | تاريخ الاضافه: 10/14/2019 | الكاتب : webmaster

Bookmark and Share

تعليقات الفيسبوك