حبي الأول وربما ... الأخير

حبي الأول  وربما ... الأخير




حبي الأول

وربما ... الأخير

زينة فاروق الغول

غداً سألقاها... نعم سألقاها بعد مرور أكثر من عشرين عاماً .

أغمض عيني فأرى صورتها تنهض من أعماق ذاكرتي مع أنّها لم تفارقني يوماً.

أحاول من جديد أن أغفو فتتصاعد وتيرة أنفاسي وتتلاحم مع صوتها الناعم الذي لا يزال يتردد في أذني كأنني أسمعه الآن .لاحقتني صورتها طوال السنين الفائتة  فتجذرت وإنعدمت كل صور النساء حيث سكنت وإستوطنت .لاحقها قلبي ودار في مدارها  كما يدور كوكب دريٌ لا يملك من أمر نفسه شيئا.

   تطالعني عيناها السوداوان الواسعتان بالهدوء الساكن بهما... تلفني نظراتها كما يلف رداء الليل الزهر والشجر  فأتسربل بسكينة غريبة وبسلام عجيب.

 

    أتساءل عمّا إذا كانت ستعرفني بعد كل هذه المدة الدهرية الطويلة... هل تتذكرني كما أتذكرها .

لماذا يعصاني النوم وتأخذني الأفكار والأسئلة وتتركني أسيراً في عالم اليقظة، أستعجل الشمس التي لم تجد طريقها بعد الى هذه الأرض. أراجع الساعة: فأراها قد قاربت الثالثة فجراً. أمامي فسحة من الوقت كي أنام ومع أن هذا ما أرغبه وأتمناه ولكنه بعيد عني بُعد المشرق عن المغرب.

عرفت من إحدهم أنها لم ترتبط بعد  وأنها نذرت نفسها للأعمال الخيرية فتطوعت في إحدى هيئات الإغاثة الدولية، ولم أكن لأستغرب ذلك فطيبتها تطفو وتعوم كهالة ملائكية، والحنان يمتزج بدمها ويتناغم كنوتات موسيقية متآلفة... عرفت أنّها تتنقل كثيرا  بين البلدان.  وتعود الأسئلة وتلاحقني بكلماتها الثقيلة وأحرفها الأثقل وتتساقط أمامي كأوراق خريف يعبث بها الهواء الغدار: لم لم أنسها؟  لم الشوق الى لقياها يتفاقم مع الأيام ولا يخمد؟  ذلك الشوق الذي يدفعني دوماً لإستقصاء أخبارها ومعرفة مستجداتها.

 

آه منها تلك الفراشة التي تنشر الربيع أينما حطت الرحال. آه لو ترقد في قلبي، وتستقر فيه لأنام.

    بالأمس كنت أريد أن أشكرها، أن أخبرها كم تركت من بصمات يصعب على العمر طمسها ، أردت أن أخبرها أنها السبب الأول والأخر في تميزي، أردت أن أقول لها أن ما وصلتُ إليه كان بفضلها... اليوم، الأمر مختلف كلياً أريد أن أخبرها قصة حنين لا أعرف له نهاية. أرسلت لها بالبريد نسخة عن كتابي الأول لأريها أنّني تغيّرت... تغيرت كثيرا، تغيرت كُليا ولم أعد ذلك التافه الذي كنته. كتبت لها رقم هاتفي متمنيا عليها الإتصال بي. ولم تخيّب رجائي. إتصالها نمّ عن إعجابٍ وإهتمام وأبدت لي رغبتها بلقائي... شعرت بأن طاقة القدر قد إنفتحت بوجهي. هل نجح مسعاي وإندثرت العوائق؟ 

 

 وبالرغم من هذه الليلة المسهدة، قمت بحماس، نظرت الى نفسي في المرآة فرأيتها فيها. أسلوبها البسيط في إختيار ملابسها كان يضفي عليها أنوثة جامحة. كنت أراقبها بتلذذ فتى يعيش حبه الأول. كنت أراها ربيعاً يتوكأ على أزهاره، نسيماً روحانياً تعزفه الوريقات الخضراء، أراها ينبوعاً دفاقاً يستعجل المسير. كانت مختلفة كثيرا عن غيرها، متميزة على نحو غريب.

 

وتبدأ من جديد مسيرة الأحلام في داخلي وتتصاعد الى مخيلتي حارقة ما دونها من منطق.  ها هي أمامي جوهرة دافئة غافية في أحداق القمر. لا أصدق أنّها هنا...  معي... في المقهى نفسه... على الطاولة نفسها... نرتشف حلو الغزل.

 

- تفضل يا سيدي، هذه الرسالة لك.

 

يناولني نادل المقهى ظرفا، أخرج الرسالة وأقرأ:

- أعتذر من كل قلبي، ولكن حدثاً إنسانياً طارئاً إستدعاني ولا بدّ أن ألبي النداء. تحياتي الحارة على أمل موعد جديد.

  أعدتُ قراءة الرسالة عدة مرات. لم أشعر سوى بدموعي الحارقة تسيل وتمتزج مع موعدها الجديد.

:  star ratingstar ratingstar ratingstar ratingstar rating  [  ]
:


القسم أدب وشعر | عدد الزيارات: [453] | تاريخ الاضافه: 10/14/2019 | الكاتب : webmaster

Bookmark and Share

تعليقات الفيسبوك