الدكتور عمر تدمري

الدكتور عمر تدمري




الدكتور عمر تدمري
 لقد أحببتُ علم التاريخ
حاوره : الأستاذ محمد وهيب علام

 

إن للعلم هيبة ووقاراً وجلالاً، وعندما تكون في حضرة العلم والعلماء تحس بأنك في مقام مهيب وغير عادي. وقد شعرت بهذا الأمر، لأول مرة، في الثمانينات من القرن الماضي، عندما دخلت إلى الجامعة الأميركية في بيروت، لمقابلة الدكتور إحسان عباس، في مكتبه الخاص بالجامعة، وكنت إذ ذاك مرسلاً من قبل الدكتور صبحي الصالح، (رحمهما الله تعالى)، بهدف الحصول منه على أسماء مؤلفات عن الإمام القرطبي، المفسر الجليل المشهور، ومعلومات ضافية، لأجل دراستي في الماجستير. وعندما دخلت عليه، وجالسته برهة، أحسست بهذه الصفات التي ذكرتها آنفاً.
وها أنا الآن، في حضرة أحد البحّاثين المشهورين الذين أغنوا الكتابة التاريخية بالكثير من المؤلفات (83 مؤلفاً)، وبرعوا في هذا المضمار، وكأنني شعرت بصدق مقولةٍ، يصح قولها فيه وهي: «ليس المهم أن تختار عملاً، ولكن المهم أن تبرع فيه». فما بالك إذا كان هذا في مجال العلم؟ وخاصة علم التاريخ؟ هذا ما كانه الدكتور عمر تدمري، أطال الله في عمره، ونفعنا وغيرَنا بعلمه ومؤلفاته.
1- د. عمر تدمري، دراساتك التاريخية والأبحاث والمؤلفات، طيلة ما يقرب من نصف قرن، جعلت منك شخصية مميزة في لبنان والخارج، فهل لك أن تخبرنا، في نبذة، عن دراساتك وبدايات التأليف والنشر والتعليم الجامعي؟
منذ الصغر، وقبل الدخول إلى الجامعة، وفي بداية المرحلة الثانوية، كنت أقوم بالتجوال في أسواق طرابلس والميناء والضواحي، إلى البدّاوي والبحصاص، وأتأمل العمارة القديمة والآثار، من مساجد ومدارس وحماماتٍ وخانات، وسبل المياه، وحتى الأفران ودور السينما والمصارف والأماكن الرسمية والحكومية، إلى أن طرأت لي فكرة تدوين ما أراه في دفتر خاص، أسميته: «دفتر طرابلس»، حتى أنني كنت أقيس (أبعاد) كل مسجد، وأقدّر كَمْ يتّسع للمصلين؟ وكذلك دور السينما حيث كنت أحصي عدد المقاعد في الصالة السفلى وفي البلكونات، وما إلى ذلك من معلومات. ومن الطريف أنني، حين التحقتُ بقسم التاريخ والحضارة في جامعة الأزهر سنة 1973، وكان من بين المقررات ما يسمّى بقاعة بحث، اختار لي أستاذ المادة، في ذلك الوقت، أن أطالع كتاب «المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي، وأكتب ملخصاً عما قرأت، فدخلت دار الكتب المعروفة في القاهرة، وطلبت مطالعة هذا الكتاب، وهو في أربعة مجلدات ضخام، من طبعة بولاق، ومكثت عدة ساعات، وأنا أطالع هذه الكتاب، ورأيتني أردد عبارة «يا سبحان الله، كيف أن المقريزي تناول عمارة القاهرة في عصره، بالطريقة التي قمتُ بها في ما يتعلق بمدينتي طرابلس. وهتفتُ بهذه العبارة، ومن حولي باحثون ومطالعون، فالتفتوا جميعاً إليّ، مستغربين. والمعروف أن المطالعة في دار الكتب تحتاج إلى هدوء وسكينة، ولكنني لم أتمالك نفسي، فقلت: «يا سبحان الله...». ومنذ ذلك الوقت، أحببت علم التاريخ، وقررت أن تكون دراستي العليا، عن طرابلس في الماجستير والدكتوراه. وهكذا كان، فكانت رسالتي للماجستير عن الحياة الثقافية في طرابلس الشام خلال العصور الوسطى، وأصدرتها في كتاب سنة 1973، ثم كانت رسالتي الأولى عن تاريخ طرابلس السياسي والحضاري، ونلت عليها درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف، وأصدرتها في جزأين كبيرين.
وعند عودتي إلى لبنان، عملتُ رئيساً للقسم الديني في دائرة الأوقاف في طرابلس، وصادفتُ، وأنا في بيروت، صديقي وزميلي في الدراسة الشيخ خليل الميس، مفتي البقاع حالياً، فعرض عليّ أن أقوم بتحقيق كتاب «تاريخ الإسلام» للحافظ الذهبي، بناء لرغبة صاحب دار الكتاب العربي الذي كان يحلم أن  يرى هذا الكتاب الضخم محققاً ومطبوعاً. وكان ذلك اللقاء مثمراً، حيث باشرت في تحقيق هذا الكتاب الضخم، وهو موسوعة في التاريخ وفي تراجم الأعلام، فقمت بتحقيقه، اعتباراً من سنة 1977 إلى سنة 2000م، وصدر في ثلاثة وخمسين مجلداً، في ما يزيد على سبعة وثلاثين ألف صفحة. وفي أثناء العمل في «تاريخ الإسلام» هذا، كنت أسلّي النفس بتأليف كتب أخرى وتحقيقها، واستمرت مسيرتي في هذا المجال، وما زالت، وأنا الآن أعمل في تحقيق كتب التراث النادرة والتأليف، وقد صدر لي حتى الآن (نهاية 2016)، ثلاثة وثمانون عنواناً، في مئة وستة وثمانين كتاباً (أو مجلداً).

2- لأن هذا اللقاء مخصص لنشره في مجلة «صدى الضنية» الكريمة، فهل يمكننا الإفادة منكم، عمّا يتعلق بالضنية تاريخياً، وبشكل عام، حول مخطوطات عن الضنيّة، أو مَنْ مِنَ الصحابة الكرام زار الضنية، والعلاقة بين الضنية وطرابلس، وخشب غابات الضنية.
للأسف، ومنذ خمس وأربعين سنة ونيّف، لم يكن أو لم أجد أي ذكر للضنية في العصور الوسطى، ولكن في مرحلة الحروب الصليبية، ورد إسم بخعون وبقرصونا عرَضاً، حيث فتح الظاهر بيبرس عكار العتيقة، وأراد أن يكمل سيره نزولاً إلى طرابلس، فتسلّق الجبال، في عزّ الشتاء، وهاجم بقرصونا، وفتحها (من الصليبيين). أما بخعون، فذكرتْ بمناسبة دخول أحد علماء الشيعة إليها هرباً من المغول، فالتجأ إلى بخعون، ومات فيها.
أما عن الصحابة، فلم يرد ذكر أي منهم، في زيارة له إلى الضنية.
أما عن علاقة طرابلس والضنية، فهي طبيعية جداً لأن الضنية كانت تعتبر الحديقة الخلفية لطرابلس، وكل ما يتصل بالزراعة وغيرها. وكذلك الخشب، فقد استفاد منه معاوية في بناء السفن، في الميناء... وهكذا كان.
3- دراسة تاريخ طرابلس ولبنان، نالت من وقتك الكثير، ما الدافع إلى ذلك؟ وما النتيجة التي وصلت إليها؟ وماذا يمكن أن نقول عن العائلات العربية في طرابلس؟ والعائلات المناطقية أيضاً؟
الدافع الأساسي هو حب التاريخ، وما ذكرته في الإجابة على السؤال الأول. ونضيف أن المدينة تعرضت لعدة فتوحات ومعارك، ويمكن القول بأن السكان قد بدأوا بسكن المدينة (طرابلس)، منذ فتح السلطان قلاوون لها سنة 1289م، حيث جاء مع قلاوون عناصر كثيرة من مصر، ومن المغاربة والأندلسيين بشكل خاص، فشاركوا معه في عملية فتح المدينة، وكذلك أتى معه الكثيرون من دمشق وبلاد الشام. والكثير من هؤلاء استمروا مقيمين في المدينة، وإليهم يعود الفضل في بناء المدينة المملوكية. ولهذا نجد التأثير الأندلسي والمغربي واضحاً على العمارة في طرابلس، ومئذنة الجامع المنصوري الكبير، حيث تأخذ شكلاً مربعاً، على طراز المآذن المغربية، ومنها جامع البرطاسي، والمدرسة الطُّويشية، وقصر الأمير عز الدين أيبك الموصلي، صاحب الحمّام المعروف بحمام عز الدين، حيث كانت تزيينات قصره العمرانية هي طبق الأصل عمّا ترى في قصر الحمراء في غرناطة. وهناك الكثير من العائلات الطرابلسية، حتى الآن، أصولها مغربية، منها آل كبّارة، وآل الولي، وآل السندروسي. وطبعاً من الحجاز آل حجازي، وكذلك أسماء العائلات المنتسبة إلى مدن بلاد الشام (وهي كثيرة، منها: الشامي، الحمصي، الحلبي، الطرطوسي، اللاذقي، الحوراني، تدمري، حموي...).

4- طرابلس مدينة العلم والعلماء، وطرابلس الفيحاء، منذ متى سَرتْ هاتان الصفتان على المدينة؟ وهل ما زالتا تصلحان صفتين لها؟ علماً بأن ما كنا ندرسه منذ وقت بعيد عن سهل طرابلس، الذي ابتلعه العمران، قد انتهى مفعوله.
الإسم أو الصفة الأولى، هي منذ أوائل القرن الماضي تقريباً، حيث قال أحد الأميركيين، عندما زار طرابلس آتياً من الجامعة الأميركية في بيروت، والتقى برجالها ومشايخها، فقال إنها مدينة العلم والعلماء.
وهي كانت تسمّى في الأصل دار العلم. أما صفة طرابلس الفيحاء، فمعناها المدينة المتَّسعة، والفوّاح: الذي تفوح منه رائحة الليمون و...

5- منذ بداية تطبيق المناهج الحديثة في لبنان، سنة 1998م، لم يصدر كتاب التاريخ (الموحَّد) المنتظر ليكون ضمن هذه المناهج، وقد قيل مراراً وتكراراً: إنه يطبخ على نار هادئة. فما نوع وقود هذه النار التي لم تنضجه بعد؟ هل هو من مخلفات الفحم الحجري أم...؟
ولن يصدر، فقد صدر منه جزءان للإبتدائي، وطُلب منّا إبداء الملاحظات حولهما، وفي الحقيقة، لا وجود لأهل اختصاص في هذا الموضوع، (وكانت الطبخة شايطة، وتوقف السير في هذا الخصوص). والموضوع شائك وعويص، ودونه مطبّات، منها الصراع الطائفي و... وكل يريده على هواه.
6- كان من المعوّل عليه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، أن القومية العربية ستصنع تاريخاً للمنطقة، ولكنها انتكست وهزلت، فهل وصلت إلى حدّ الإفلاس أو الموت؟ وما البديل عنها لصناعة تاريخ مشرّف لنا في المستقبل المنظور أو غير المنظور؟
لم تمُتْ، ولكن قد تنبعث في فترة قادمة، أو تتجدد.

7- لماذا نرى اليوم، تقريباً، كل القوميات في العالم، تجمعها دولة واحدة (مثال ألمانيا وفرنسا وايطاليا وغيرها)، إلا العرب، فلم يستطيعوا أن يشكلوا دولة واحدة تجمعهم، بل قُسّموا فانقسموا إلى عشرين دولة وأكثر، وما زال الحبل على الجرّار؟ فما السرُّ في ذلك؟ علماً بأن الحضارة العربية الإسلامية كانت تجمعهم، إضافة إلى غيرهم من الشعوب، في دولة واحدة (الدولة الأموية والدولة العباسية)، ولقرون عديدة.

السرُّ في ذلك، (وهو ليس سرّاً)، الصهيونية، وما يشهده العالم العربي، فهذه صليبية جديدة.
8- عبر كل الأزمات والمسيرات التاريخية الطويلة، هل من الممكن التأكيد على أن التاريخ يعيد نفسه؟ أم أن أحداً لا يستطيع الإغتسال في النهر الواحد مرتين؟
تتشابه الأحداث، ولكن الأشخاص مختلفون. فالتاريخ لا يعيد نفسه، وإنما هو يتجدد عبر هؤلاء الأشخاص، لتأثيرهم في مسيرة الأحداث (وصناعة التاريخ).

9- لماذا تفتيت التاريخ وشرذمته، حاضراً ومستقبلاً؟ ما الهدف منه؟ ومن وراءه؟
إنه تاريخ مناطقي، وهو يُرسم لأهداف سياسية واستعمارية جديدة.

10- كثيراً ما نعرف تاريخ أقوام مضَوْا، من خلال آدابهم، مثال ذلك الحياة العربية في الجاهلية، فقد عني الأدب بالتاريخ، كما عني التاريخ بالأدب. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟
التاريخ  يكتب من خلال المعلومات التاريخية والأدبية، وخاصة الشعراء، والشعر له أهمية كبيرة في هذا الأمر، وخاصة في فترة الحروب الصليبية، ومرافقة الشعراء للأحداث التي حصلت. (والأمثلة كثيرة).

11- عوداً إلى المؤلفات والأبحاث، هل لك أن تُعلِمنا عن الجديد عندكم في هذا المضمار؟
حالياً، عندي تسعة كتب جاهزة للصدور في بيروت وصيدا، ولكن الأحوال... (ليست مناسبة حتى الآن).

12- في مقابلة لي مع الدكتور ياسين الأيوبي (نشرت في العدد 22 سنة 2016 من مجلة «صدى الضنية»، ذكر لنا شيئاً عن مكتبتكم الخاصة وضخامتها، فهل لك أن تخبرنا عما تحتويه من مراجع ومصادر، وما تتضمنه من أبواب العلم؟ إضافة إلى تصوير ما يتيسّر منها.
مكتبتي متخصصة بالتاريخ، إضافة إلى الأدب وغيره. ولكن اختصت أكثر بالتاريخ، وتحقيق كتب التراث، أي عشرات الكتب الخاصة في العصر المملوكي، والمخطوطات من دول العالم المختلفة، وهي من النوادر، وحققت قسماً كبيراً منها، وننوي المتابعة. وحالياً أحقق في الأشياء المتصلة بالأرشيف العثماني، وخاصة الأوقاف الموقوفة في لبنان وبلاد الشام.

13- مع شيوع وسائل الإتصال المختلفة، والانترنت، كيف تنظر إلى مستقبل المكتبات، مع الإنكفاء الحاصل عنها، من قبل شباب اليوم وشاباته، عدا قلةٍ من الباحثين وغيرهم؟
فعلاً إن من يهتم بكتب التراث قلة من الدارسين والباحثين. ويجب على طلابنا وطالباتنا امتلاك عدة علوم مهمة، من فقه وتراجم، وعلوم اللغة وغيرها.
والطامَّة الكبرى الآن هي وجود الفراغ الفكري بشكل عام.

نشكر لكم حسن مجالستكم، ونتمنى لكم دوام الصحة والعافية والخير العميم. وبارك الله فيكم، وفي ما تقدمون من منافع علمية مختلفة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تقييمك للمقال :  star ratingstar ratingstar ratingstar ratingstar rating  [  ]
قيم هذا المقال :


القسم مقابلة | عدد الزيارات: [1167] | تاريخ الاضافه: 02/17/2017 | الكاتب : webmaster

Bookmark and Share

تعليقات الفيسبوك

المواضيع المتشابهة
اسم المقال تاريخ الاضافة الزيارات العدد :
عودة المفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور علي لاغا من ماليزيا1/1/197020061
الدكتور محمد أبو علي: طموحي أن أترك أثرا شعريا قبل أن أغمض عينيّ1/1/197025982
غادرنا سماحة مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور طه الصابونجي1/1/197013452
الشاعر الدكتور ياسين الأيّوبي: الإبداع جنونٌ مطلق والنقد عندي حِرْفة1/1/197031985
تحاد بلديات الضنية يكرم الدكتور عبدالله محي الدين1/1/197017687